حينما يصدع العالم بالحق وينطق بالصدق – السبيل 16\09\2011
“When a Scholar Proclaims the Truth”
Comment in Al-Sabeel on the fatwa of Shaykh Muhammad al-Yaqoubi

Below is an article about Shaykh Muhammad al-Yaqoubi’s fatwa on Al-Shari’a program with Dr. Al-Qaradawi. The article, authored by Dr. Bassam Nasir is entitled:

“When a Scholar Proclaims the Truth and Speaks with Honesty”

It was published in Al-Sabeel, a mainstream Jordanian newspaper. The author praises Shaykh Muhammad al-Yaqoubi’s knowledge, courage, and accuracy and says at the end of the article: “It is enough for us to have Sheykh Al-Yaqoubi and Shaykh Al-Qaradawi”.

حينما يصدع العالم بالحق وينطق بالصدق

الخميس، 15 أيلول 2011 23:21
بسام ناصر

في حلقة الأحد الماضي (11/9) من برنامج «الشريعة والحياة»، بعنوان: «الثورة فتنة أم رحمة؟»، مع الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي بعد تعافيه من أزمته المرضية الأخيرة، والتي جاءت بعد توقف البرنامج لفترة طال أمدها، بسبب تركيز الجزيرة على تغطية أحداث ووقائع الثورات العربية المتلاحقة، في تلك الحلقة قدم الشيخ محمد أبو الهدى اليعقوبي ـ المدرس في المسجد الأموي بدمشق ـ مداخلة، اتسمت بالجرأة العلمية، حيث رفع صوته عاليا جاهرا بالحق، وصادعا به، عملا بما أوجبه الله على العلماء من بيان الحق وإعلانه في الناس رضي من رضي وسخط من سخط.

الشيخ اليعقوبي قامة علمية ودعوية ذات نشاط وفاعلية، له جولات دعوية وعلمية كثيرة وعديدة في أمريكا وأوروبا، وهو من بيت علم وصلاح ودين، أخذ العلم على طريقة المتقدمين، من حفظ القرآن الكريم في الصغر، وسماع كتب الحديث النبوي، وحفظ المتون في سائر الفنون، ما يكسب العالم رسوخ القدم في علوم الشريعة، والموسوعية في التلقي والبحث والدراسة.
مداخلة الشيخ اليعقوبي تركزت على بيان الأسس الشرعية الموجبة للمشاركة في المظاهرات والاعتصامات وسائر مظاهر الاحتجاج السلمي التي تمارسها الشعوب في حراكها ضد الظلم والاستبداد والفساد (وكان كلامه منصباً على الحالة السورية بالتحديد)، فقد جاء تقريره مرتكزا على الأدلة التي تجيز الخروج على الحاكم الجائر (الظالم)، إذ أن وجوب الطاعة للإمام مطلقا إنما تنصرف للإمام العادل، أما الإمام الكافر فيجب عزله بالإجماع، أما الإمام الفاسق فقد نقل الإمام النووي الإجماع على عدم جواز الخروج عليه درءا للفتنة، فلم يبق إلا الإمام الجائر الذي إذا عم جوره ولم يرعوِ عن ذلك، ولم يرجع عنه، وجب عزله ولو بشهر السلاح، وإقامة الحروب، مدعما رأيه بالنقل عن أئمة العلم كالجويني والتفتازاني وابن عابدين وغيرهم.

من الأصول التي ذكرها الشيخ اليعقوبي في مداخلته: أن من خرج على الإمام بحق لا يسمى باغيا، فالخوارج هم الخارجون على الإمام الحق بغير حق، فمن خرج بحق لا يكون خارجيا ولا باغيا، وأصل ثانٍ: من خرج لظلم لحق به لا شبهة فيه وجب على الناس معاونته، ووجب عزل الإمام لهذا الظلم الذي أنزله بالناس، ثم أنزل هذه الأصول على الحالة السورية، حيث أن الظلم هناك ليس حالة فردية، أو استثنائية، بل هو ظلم شامل، مؤكداً أننا نتحدث عن شعب يقتل، ومساجد تقصف، وأعراض تنتهك، وظلم وقتل عام، وأن الرئيس اعترف بوقوع أخطاء عديدة في هذا السياق، مشيرا إلى أن هذه الأخطاء ليست أخطاء بسيطة يغتفر لأصحابها، بل هي أخطاء شنيعة وعظيمة وبشعة، توجب العمل لعزل الإمام الجائر الذي أنزل الظلم بالناس بأبشع صوره، وأفظع ألوانه.

حول مواقف العلماء والفقهاء الذي وقفوا في خنادق الظالمين، وتولوا الدفاع عن ظلمهم وبطشهم وطغيانهم، أكد الشيخ اليعقوبي أن الساكت معذور، لأن القهر والضغط والظلم يمارس بصور قميئة وشديدة، مبينا أننا لا نعذر كل من يؤيد هذا النظام في ظلمه، فالذي يعينه على ظلمه وقتله هو شريك له في الظلم وجرائم القتل والتعذيب وانتهاك الحرمات، مؤكدا أن هذه الأفعال لا تسمى خطأ، وإنما تسمى جرائم حرب، يجب معاقبة من يقترفها ويقوم بها.

تعقيب الدكتور يوسف القرضاوي كان مؤيداً لكلام الشيخ اليعقوبي، حيث قال: «أولا أود أن أشكر الأخ الشيخ اليعقوبي على فتواه هذه وبيانه، وهي فتوى مؤيَّدة وموثَّقة وفيها علم ودين وينبغي أن تؤيَّد وأن يأخذ الناس بها». وكان كلام الشيخ القرضاوي في الحلقة هو كذلك متجهاً إلى وجوب المشاركة في المظاهرات والاعتصامات لمقاومة الظلم والاستبداد، مستدلا بالأدلة الشرعية الواردة في مواجهة الظلم، والأخذ على أيدي الظالمين، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
يعجب المرء حقا وهو يرى النظام السوري، يمارس القتل اليومي، ويقصف المدن، ويحاصر المساجد، ويتفنن جنوده ورجال أمنه في تعذيب أبناء الشعب السوري بطرق وحشية ودموية، ثم تجد من العلماء والفقهاء من يدافع عنهم، ويقف في صفهم، ويتخندق في خنادقهم، فأي دين هذا الذي يجيز للعالم، ويسوغ للفقيه، أن يكون عونا للظالمين، وظهيرا للمجرمين؟ فهل هؤلاء يمثلون دين الإسلام بحق الذي يأمر أتباعه، بالتصدي للظالمين والأخذ على أيديهم، ومنعهم من ممارسة ظلمهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

من يمثل الإسلام بحق في هذا المقام، هم أمثال الشيخ محمد أبو الهدى اليعقوبي، والدكتور يوسف القرضاوي، وغيرهم من علماء الأمة الربانيين، الذين صدعوا بكلمة الحق، ونطقوا بواجب الوقت عليهم، واختاروا موقف العزيمة، ولم يلذوا بالصمت وإن كان يسعهم ذلك، فهذه روح العلماء الربانيين المتوثبة لئن تكون في الطليعة، والمتطلعة لتقدم الصفوف، لاستشعارها عظم المسؤولية التي تضطلع بها، لا كأولئك الذي باعوا أنفسهم لشياطين السلطة، وطمعوا في مناصبهم، وسال لعابهم كي يحظوا بفتات عطائهم، مثلهم بحق كما ذكر القرآن عن أمثالهم في قوله: }وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ{ (الأعراف: 175 – 176).

ما نشاهده من صور التعذيب الوحشي، ونراه من مشاهد الإذلال اليومي، الذي تمارسه عصابات النظام الدموي، بحق أبناء الشعب السوري، لا يمكن أن يرتضيه ويقبل به إنسان يتمتع بأدنى مشاعر الإنسانية، فكيف يرتضيه قوم ينتسبون إلى العلم الشرعي، ويتبجحون بألقاب السماحة والفضيلة، ألا فليسقط أولئك العلماء قبل الطغاة، ولتسقط الشعوب عمائمهم قبل إسقاطها لعروش الظالمين، فإنهم والله أشد ضررا، وأخطر جرما منهم، فهم الدرع الواقي لهم، واللسان الناطق باسمهم، والمدافع عن جرائمهم وبوائقهم.

أليس أولئك العلماء والفقهاء، الذي رضوا لأنفسهم أن يكونوا في صفوف الطغاة الظالمين، هم ممن ينطبق عليهم حديث النبي عليه الصلاة والسلام انطباقا كاملاً، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عَنِ النبيِّ أَنَّهُ قَالَ «إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رضيَ وَتَابَعَ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ نُقَاتِلُهُمْ قَالَ «لاَ مَا صَلَّوْا» (رواه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم)؟

فبئس الموقف موقفهم حينما يرضون بما يفعله الظلمة المجرمون، ويا للعار الذي يلحقهم جراء متابعتهم لهم، وتبريرهم لجرائمهم المخزية. فليس هذا بالمقام الذي يليق بأهل العلم وحملته أن يضعوا أنفسهم في مقاعده، بل مواقفهم التي تحمد لهم، وتسجلها صحائف الأرض والسماء هو ما عبر عنه سيدهم وقدوتهم بقوله: (سيد الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب ورجُلٌ قام إلى إمام جائرٍ فأمرهُ ونهاهُ فقتلهُ).

hilite

Comments are closed.