2011/10/26:
الشيخ محمد أبو الهدى اليعقوبي
حول أحداث ليبيا الأخيرة

الشيخ محمد أبو الهدى اليعقوبي:

حول أحداث ليبيا الأخيرة

لا يجوز في الإسلام التعذيب ولا المُثلة. وإكرام الميت واجب، وقتل الأسرى بغير قضاء القاضي أو حكم الإمام حرام شرعا.

وقد بين الشيخ هذه الأحكام خلال جوابه عن عدد من الأسئلة التي وجهت إليه حول الأنباء والتقارير والأشرطة المصورة الواردة من ليبيا في الأيام الأخيرة حول التعذيب الذي تعرض له بعض الأسرى والإذلال والقتل وامتهان الجثث فقال: “إن صحت هذه الأخبار كان ذلك نذير شؤم على الثورة والثوار، إذ هو خلاف أحكام الإسلام الذي يتميز بحفظ حقوق الإنسان وتكريمه حيا وميتا اوإقامة العدل على العدو قبل الصديق والبعيد قبل القريب، وإن كان من غير المسلمين. وإنما يقام الحد ويجري القصاص ويعاقب المجرم بقضاء القاضي أو حكم الإمام، ولا يجوز لأي واحد من الناس أن ينصب نفسه قاضيا، يأخذ بثأر زيد وعمرو من الناس، فالثأر في الإسلام لا يجوز، وإنما هو القصاص للقاتل بقضاء القاضي. وهنا يَظهر التفاوتُ بين مبادئ الإسلام في العدل والرحمة وبين الأنظمة الوضعية كالاشتراكية والرأسمالية التي انحدرت إلى مستوى الحيوان وأشد منه في القتل والتعذيب والإذلال. لكن المسلمين يتلون القرآن ويمرون فيه بقول الله سبحانه في سورة المائدة: {ولا يَجْرمَنّكُمْ شَنَآنُ قَومٍ عَلى ألا تَعْدلُوا اعْدِلوا هو أقربُ للتقوى واتقوا اللهَ إنّ اللهَ خبيرٌ بما تَعملون} قال الطبري في التفسير: “ولا يحملنكم عداوة قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة.” وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {ولا يَجْرمَنّكُمْ شَنَآنُ قَومٍ أنْ صَدّوكُمْ عن المَسجدِ الحَرامِ أن تَعتدوا}: أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فإن العدل واجب على كل أحد في كل حال وقال بعض السلف: ما عاملتَ من عَصَى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. والعدل به قامت السماوات والأرض” وروَى عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية وأصحابُه حين صدّهم المشركون عن البيت وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: نَصدّ هؤلاء كما صدّنا أصحابُهم فأنزل الله هذه الآية.” ومن هذا الباب ما رُوي عن عبد الله بن رواحة أنه قال لما أراد أهل خيبر أن يَرْشُوه ليَرفُق بهم في خَرْص الزروع والثمار وقد أرسله النبي عليه الصلاة والسلام: جئتكم من عند أحب الخلق إلي وإنكم لأبغض الخلق إلي، وما يمنعني بغضي لكم من أن أعدل بينكم، فقال اليهود: بهذا قامت السموات والأرض. وإنما دخل الناس في الإسلام في القرون الأولى بعد الفتوحات لما رآه أهل البلاد من المسلمين بعد الانتصار من العدل والإنصاف والرحمة والشفقة، وهي من أهم من يجب أن يتحلى به المجاهدون في سبيل الله تعالى ولو أنزل العدو بالمجاهدين أشد الأذى. ومن نظر إلى عفو النبي عليه الصلاة والسلام عن قريش بعد الفتح وفيهم وحشي بن حرب وهند بنت عتبة – ذاك قتل حمزة عم النبي عليه الصلاة والسلام وتلك لاكت كبده – عرف العدل الذي بني عليه الإسلام وبُعث به النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من جملة الأسباب التي حرمنا من أجلها حمل السلاح في بلادنا لعامة الناس، لأن الناس لا يعرفون أحكام الجهاد، وليس عندهم من القدرة على ضبط النفس عند الانتقام ما يمنعهم من تجاوز الحد في الحكم وقد يأخذون العدو بالظنة والتهمة فتدخل نوازع النفس وداعية الغضب. فالانتقام لا يعالج بالانتقام والظلم لا يداوى بالظلم. ولذلك أكدنا ونؤكد على أن تكون انتفاضة شعبنا في سورية للتغيير والإصلاح بالسلم والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإزالة الفجور والظلم وإحلال التقوى والعدل. نسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى إقامة أحكام الدين والاقتداء بسنة خاتم النبيين صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

Comments are closed.