2011/11/08:

قطعتْ جَهيزةُ قولَ كل خطيب (سقوط المبادرات)
الشيخ محمد أبو الهدى اليعقوبي

الشيخ محمد أبو الهدى اليعقوبي:

قطعتْ جَهيزةُ قولَ كل خطيب (سقوط المبادرات)

Like this on Facebook

وهكذا انتهت المبادرات وذهب زمن المفاوضات ولم يبق أي مجال للوساطات. أجل هكذا وأد النظام مبادرة جامعة الدول العربية التي ولدت شبه ميتة، إذ لم تستشر فيها المعارضة ولم يؤخذ فيها رأي الشعب. ومع أنها جاءت تقدم فرصة بعد أخرى للنظام لحفظ ماء الوجه ومغادرة الحكم بسلام، إلا أن النظام أتم الإجهاز على ما بقي فيها من حياة. فالدماء التي أريقت الأيام القليلة الماضية بعد قبول النظام السوري للمبادرة أثبتت نوع المبادرات الذي يريده النظام وكيف يقرأ الوساطات. مزيد من الوقت للقتل وفرص أخرى للقمع ، وكأنه يعتقد أن الوقت يمر لصالحه.

لقد سقط في هذه الأيام القليلة الماضية عشرات القتلى في مدن سورية وخصوصا في حمص الأبية، وكأن النظام يقول لأصحاب المبادرة دعوني أكمل ما تبقى من القتل إلى أن أعدّ أعذارا أخرى أو تقوم أطراف أخرى بمبادرات جديدة. ونحن نقول لا لمزيد من المبادرات، ولا لأي حوار يشرّع القتل ويفتح الباب أمام مزيد من القمع.

لقد قطعت الدماء التي أريقت والضحايا التي سقطت الكلام في المبادرات، وأنهت كل الفرص المقدمة على مستوى العالم العربي والإسلامي كما “قطعت جهيزة قول كل خطيب”. وهذا موضع المثل، لأن جهيزة امرأة كانت في الجاهلية، وكان قومها قد سعوا في الصلح بين حيين من العرب قتل أحدهما قتيلا للآخر، فدخلت عليهم وهم يسعون بالصلح فقالت: إن أولياء القتيل قد أخذوا بالثأر وقتلوا القاتل فانقطع عند ذلك الكلام في الصلح وقالوا “قطعت جهيزة قول كل خطيب.” وهكذا قطع سقوط الضحايا الطريق على الحوار والفرص، وهو أمر لم نكن على شك منه أبدا ولكننا آثرنا التريث والمضي مع النظام في عرضه الجديد لنرى مدى جديته، وهي جدية لم تصمد ولا بضع ساعات على الإطلاق.

لا شك هناك فرق بين عمل الثوار وعمل رجال السياسة، الثوار لا يريدون مفاوضات ولا مبادرات، وهم على حق لأن قوة الشعب تحصل ما لا تحصله المفاوضات، وخصوصا مع المراوغة والكذب الذي عرف به النظام. ولكن لغة السياسة تختلف، إذ طالما أن النظام قبل المبادرة فقد كان يجب أن نرحب بالقبول ولكن بحذر كما فعلنا وننظر في الخطوات التالية، ولو أن النظام فعلا طبق المبادرة لكان انتصارا كبيرا، لأن تطبيق المبادرة رغم اوقت والمهلة كان سيؤدي قطعا إلى إسقاط النظام. ولكن أما الآن وقد أظهر النظام ماذا يعنيه بقبول المبادرة فقد سقط القناع عنه ولا نلام بعدم القبول بل اللوم على النظام في عدم الالتزام والتطبيق.

والجهة الأخرى هي جهة الشرع، لأننا نريد إسقاط النظام بأقل الخسائر وأدنى المفاسد، وهذا يقتضي قبول كل حل يمكن أن يختصر الدماء ويوقف القتل. خصوصا وأن القبول لم يترتب عليه من جانب الشعب أي وقف للمظاهرات. ومع علمنا بأن النظام يراوغ وأن المبادرة تعطيه فرصة لمواصلة قمع المظاهرات فإننا رحبنا بالقبول ولم نطلب التخلي عن الثورة، لعل وعسى ينفذ النظام البنود مما سيفتح الباب إلى اعتصامات كبرى بمتابعة وسائل إعلام عالمية.

ولكن الأيام تثبت يوما بعد يوم الغباء الذي يدير به النظام السياسة، وهو علامة على نهاية أجل النظام، إذ هي سلسلة متتالية من القرارات تبدأ بخطأ ثم خطأ آخر، ولا تدع خيارا للنظام إلا الاتجاه نحو السقوط. هذا الغباء هو سلاح قوي في يد الشعب، وهو الذي أدى بالنظام إلى مواصلة القتل والقمع والاعتقال، وهي جميعا وقود يلهب الثورة، ويزيد الشعب قوة ومَضاء، ويعجل في نهاية النظام. وتبقى الكلمة الآن للشعب الذي لا يريد أن يقف في المطالبة بإسقاط النظام عند أي حدّ. وسيندم النظام على إضاعة هذه الفرص وكما أنشد الفراء:

ندم البغاة ولات سعاة مندم * والبغيُ مرتع مبتغيه وخيم

Comments are closed.