2012/03/11: لماذا أكره روسية
الشيخ محمد أبو الهدى اليعقوبي

لماذا أكره روسية

الشيخ محمد أبو الهدى اليعقوبي

لاشك ولاريب عند كل مطلع خبير في أن دولة روسية هي من ألد الدول عداوة للإسلام قديما وحديثا، نعم هذا ما تؤكده حقائق التاريخ، وهذا ما رسخ في أذهاننا من اعتقاد منذ بدأنا نتابع أخبار العالم وأخبار الاتحاد السوفياتي ونحن فتيان صغار.

روسية بلد معاد للإسلام عدو للمسلمين، له تاريخ أسود مَلِيءٌ بالحقد والكراهية للمسلمين، اسودت صحائف أسفاره بأخبار الحروب المتتالية على الدول الإسلامية وقصص جرائم الإبادة للشعوب المسلمة وهي جرائم تعد من أبشع ما عرف التاريخ وأشنع ما شهدت الإنسانية.

وتبدأ قصة ابتداء الكراهية بيني وبين الروس إلى السنين الأولى من حياتي يوم كنت وأنا طفل صغير ألتقي بزوار والدي رحمه الله تعالى (وهو علامة عصره الشيخ إبراهيم اليعقوبي) إذ كان يتردد عليه عدد من أهل بخارى وطشقند وما جاورها من الأصقاع وكانوا من الكبار المعمرين ممن بلغ التسعين والمائة، وبعض هؤلاء كان يقيم في المدرسة السليمانية وهي في زقاق في آخر أسواق الحريقة بدمشق، خلف خان الجمرك وتعرف بمدرسة الأفغان، وكانت للوالد فيها غرفة يضع فيها قسما من مكتبته ويأوي إليها أحيانا طلبا للخلوة والسكينة. كانت عيناي لا تملان من النظر إلى هؤلاء المعمرين بإعجاب وإكبار وأنا أرى الواحد منهم مُمَتّعا بحواسه شديدا في دينه، وقد كاد يصير هيكل عظام وهو في نحو المائة ما يزال يصر على النهوض إلى الصلاة ويتوضأ بالماء البارد.

كان بعض هؤلاء يتردد على مجالس والدي رحمه الله، فكنت أستمع إلى أطراف الأحاديث التي تجري بينه وبين هؤلاء حول الإسلام في بلاد بخارى وما ارتكبته دولة الاتحاد السوفياتي الشيوعية من جرائم لا تكاد تصدق من إعدام للعلماء وحرق للمكتبات وهدم للمساجد وقتل للملايين من المسلمين. وعرفت آنئذ وأنا طفل في نحو السابعة أن هؤلاء إنما هاجروا فرارا بدينهم من بطش الشيوعيين الروس بعد الثورة البلشفية، وسمعنا فيما سمعنا عن الملايين من المسلمين الذين قتلوا أو ماتوا في الصقيع أو في المعتقلات.

وقد ترافق هذا مع ما كان يحكيه والدي لنا عن أخبار أهل بيتنا آل اليعقوبي: فكان يحدثني وأنا صغير أرافقه حين يأوي إلى تلك الغرفة الضيقة في السليمانية أو إلى جامع الدرويشية عن أخبار جدي السيد إسماعيل اليعقوبي وإخوته وجدتي السيدة عائشة اليعقوبي وإخوتها، ومنهم الشهيد السيد حسن بن عمر اليعقوبي الذي قتله الروس وهو خال والدي وابن عم جدي وكان قد تخرج من المدرسة الرُشدية واشتغل بالتدريس ثم ذهب إلى الجهاد في سبيل الله تعالى مع العثمانيين ومات شهيدا في الحرب بين العثمانيين والروس سنة ١٨٧٧-١٨٧٨ وهي حرب القرم الثانية وقد انتصر فيها الروس. تُرى … أليس ذلك سببا كافيا لي لأكره الروس منذ ريعان الطفولة!

وبدأنا دراسة العقيدة الإسلامية في وقت مبكر فعرفنا مذاهب الملاحدة في إنكار وجود الله تعالى والمذهب الشيوعي وما بني عليه، فازددنا كراهية للاتحاد السوفياتي. وما كانت دروس الوالد رحمه الله تكاد تخلو من تطبيق العلوم الشرعية على أحداث الوقت، فلقد كان رحمه الله تعالى فقيها محققا عالما بأحوال زمانه مطلعا على أحدث ما يكتب في المجلات أو يصدر من المؤلفات، صوفيا على منهج السلف الصالح، وكان كثيرا ما يردد القول المشهور في تعريف الصوفي: “الصوفي ابن وقته”.

تلك هي الصورة التي تكونت في أذهاننا عن روسية وما كان يسمى الاتحاد السوفياتي آنذاك، وازدادت الصورة وضوحا بما قرأناه ونحن شبان صغار من روايات وأخبار عن المسلمين في جزائر جاوة (عذراء جاكرتا) وبلاد البلقان كألبانيا والتاريخ الأسود لأنور خوجا ويوغوسلافيا، واكتملت الصورة بقراءتنا ونحن كبار لتاريخ الأمير الجليل والعالم الكبير الشيخ شامل في بلاد القوقاز وما فعل الروس في تلك البلاد من القتل وسفك الدماء والتعذيب والحرب على الإسلام، وهي حرب استمرت في عهد الروس الجدد ولم يكن الأمير جوهر دوداييف رحمه الله آخر ضحاياها. زد على هذا ما جرى للمسلمين في بلاد البوشناق (البوسنة) من إبادة على أيدي الصرب حلفاء الروس بدعم مطلق وغطاء تام من الروس.
تلك هي نماذج من حرب الروس على الإسلام وذلك هو قليل من كثير من قصص محاولات الروس لإبادة المسلمين، سيان الأمر لما كان القياصرة يحكمون روسية من أيام القيصر نيقولا الأول أو كان المجرمون (الرفاق) الشيوعيون يتربعون على سدة الحكم في أيام ستالين.

إن روسية كانت وما تزال ترى أنها هي وريثة الدولة البيزنطية وهي حامية الديانة المسيحية الأورثوذكسية التي انحسرت بعد سقوط القسطنطينية على أيدي السلطان محمد الفاتح رحمه الله، بل كانت روسية تسعى جاهدة إلى استعادة القسطنطينية، بل إن الذي أشعل فتيل حرب القرم الأولى بين العثمانيين والروس كان محاولة الروس الحصول على الامتيازات للسيطرة على البقاع (المقدسة) للمسيحيين في فلسطين.
وروسية دولة تعترف بإسرائيل وتشجع هجرة اليهود الروس إلى إسرائيل، وفي إسرائيل نحو مليون من اليهود الروس، بل إن الذي يحكم روسية فعلا هو اللوبي اليهودي، وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قام بزيارة لإسرائيل سنة ٢٠٠٥ لتوطيد العلاقات. وقد كشفت وثيقة ويكيليكس رقم: 08MOSCOW1991 تاريخ: 11 /2008 مدى التعاون الكبير بين روسية وإسرائيل واستخدام إسرائيل لروسية حتي تسيطر علي الشرق الأوسط .

إن الذي يظن أن روسية تدعم العرب لتحرير فلسطين واهم أشد الوهم، وخمسون عاما من الصداقات والأحلاف والمعاهدات التي لم تُعِدْ للعرب شبرا واحدا من أرض فلسطين خير دليل على ذلك. وكذلك من ظن أن الاتحاد السوفياتي كان نصيرا حقيقيا للعرب في قضاياهم، وإنما هي تجارة السلاح والسيطرة على مناطق النفوذ وامتصاص غضب الشعوب، وتقاسم الأدوار. ولذلك كان لا يبيع سورية شيئا من الأسلحة المتطورة حفاظا على التفوق الاستراتيجي لإسرائيل، والتوازن مع الدول الغربية.

لقد احتل الإفرنج (الإفرنسيون) النصارى المستعمرون بلادنا نحو ثلاثين سنة، ولكنهم لم يستطيعوا أن يغيروا خلالها من تمسك الناس بالإسلام ولم يتمكنوا في أثنائها من فرض العلمانية ولا من محاربة الدين. دخل الإفرنسيون وخرجوا وسورية دولة إسلامية، ولكن حزب البعث بالتحالف مع الاتحاد السوفياتي حقق لأعداء الإسلام من إضعاف الدين وفرض مبادئ الإلحاد والعلمانية ما لم يستطع الاحتلال أن يحققه. وهاهو يكاد يسقط بعد خمسين سنة بعد أن عمل على تحويل سورية إلى دولة علمانية، بدءا من الاختلاط في المدارس الذي لم يتمكن المحتل من فرضه، وانتهاء بالأفلام المسيئة للدين مما لم يجرؤ المستعمر على عرضه: إنه بلاء الاشتراكية والشيوعية ومبادئ الكفر والإلحاد والإباحية التي جاءتنا من روسية وممن درس في روسية مع السلاح الذي لم يكد يستعمل لتحرير أرض ولا لنصرة شعب حتى آل الأمر إلى أن صار يذبح به الشعب. وربما لن ينسى شعبنا أنه إنما يذبح الآن في ثورته ويقتل بسلاح روسي فالبندقية التي يحملها جنود النظام روسية حتى باتت هكذا تسمى بعد أن زال الاسم وبقي الوصف، والمدفعية روسية، والدبابات روسية، ولا تزال روسية تمعن في الدفاع عن جرائم النظام والتغطية عليه.

نعم لكل هذه الأسباب وللمزيد مما سواها أنا أكره روسية كراهية شديدة، وأتوجه بالسؤال لكل من يتشدق اليوم بتحريم الاستعانة بالأجنبي: ما حكم الاستعانة بالكفار الروس لضرب المسلمين في بلاد الشام؟ ما حكم موالاة هؤلاء الأعداء الذين يحادون الله ورسوله؟ وأبين إلى جانب هذا أني لا أرى قطعا جواز الاستعانة بأمريكا أو بالناتو لتحرير سورية من هؤلاء الطغاة، مهما كانت الظروف، ولكني أتساءل ما الذي يدعو إلى اعتبار الروس حلفاء وورثة للتعاون الإسلامي وهم من ألد أعداء الإسلام، هل بلغت بنا الحال في دعم النظام والتغطية على جرائم هذه العصابة التي تتحكم في سورية اليوم إلى نسيان التاريخ وتغيير الحقائق وتحريف الأحكام!

وصدق الله تعالى إذ يقول: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}.

Comments are closed.